خطأ
  • XML Parsing Error at 9:19. Error 76: Mismatched tag

لقاء مجلة گنجینه التابعة لمجمع أهل البيت العالمي مع آية الله الهادوي الطهراني

السبت, 28 تموز/يوليو 2012 11:12
نشرت في أخبار

باعتبار أن في الأعوام الأخيرة و خاصة بعد حادثة 11 سبتمبر أصبحنا نشاهد موجة جديدة تسعى لإيجاد علاقة بين مفهومي الدين و الإرهاب بشكل عام و بين الإسلام و الإرهاب بشكل خاص لدى الفكر العام في العالم، لو تفضلتم بالإجابة عن أن هل هناك علاقة بين هذين المفهومين؟

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آله الطاهرين الطيبين الهداة المهديين سيما بقية الله في الأرضين.

و أتقدم بالتعزية بمناسبة أيام استشهاد الإمام الحسين عليه السلام و أحداث كربلاء.

إذا نظرنا إلى المفاهيم الموجودة في الأديان الإلهية بشكل عام، نجد أن هذه الأديان لا تنسجم مع مفهوم العنف بالمعنى المطروح اليوم و الذي أحد مصاديقه هو الإرهاب. و قد طرح هذا الموضوع قبل أشهر في المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب حيث قد استلمت رئاسة قسم "الإرهاب في رؤية الأديان" فطرح هذا الموضوع بيننا و بين ممثلين من الديانات المسيحية و اليهودية. فقد ذكر هناك أن بناء على معارف الأديان، لا ترضى الأديان بالعنف بالمعنى المطروح اليوم، أي أنواع المواجهات غير القانونية و غير المنطقية. فإذا جئنا إلى الإسلام بالذات، نجد أن الإسلام دين القانون و العمل بالقانون. إن مجموعة سلوك المسلمين سواء في علاقاتهم بينهم أم في علاقتهم مع غير المسلمين و حتى في علاقتهم مع البيئة، سلوك قانوني. و أما السلوك الخارج عن هذا النطاق فيعتبره الإسلام سلوكا غير قانوني أو غير شرعي. و عندما نلاحظ القوانين، نجد أنها تقتضي سلوكا منطقيا من جانب، و مرتكزا على حفظ المصالح العامة، من جانب آخر. فعلى أساس هاتين الخصلتين، إن الإرهاب و تصفية الأشخاص بلا دليل و بدون مراعاة القانون، لا مجال له في الإسلام. إن تعامل الإسلام مع غير المسلمين قائم على أساس الأنصاف و العدل و قد بذلت غاية الدقة في سبيل عدم الخروج من إطار القانون. حتى في الحروب كان النبي (صلى الله عليه و آله) يوصي القوات العسكرية بمراعاة غير المقاتلين و النساء و العجزة و المرضى و البيئة. هناك روايات كثيرة تمنعنا من تلويث البيئة و سمّ المياه و قطع الأشجار. يعني الإسلام ملتزم بالقانون حتى في ظروف الحرب، و يرتكز هذا القانون على الحكمة و مراعاة العدل و الإنصاف. مع أن طبيعة الحرب تقتضى العنف و الشدّة، و لكن حتى في تلك الظروف نجد سلوك الإسلام في غاية العطف و الرحمة. إذن الإسلام مخالف للإرهاب بالمعنى المطروح اليوم في الأوساط السياسية و الدولية، و إن مخالفته هذه منطلقة من الأسس و الجذور الفكرية و العقدية في الإسلام.

ما هو تعريف الإرهاب في الإسلام، و ما الفرق بينه و بين بعض العناوين كالجهاد و القصاص و حكم الارتداد و غيرها؟

لقد أرسل و لي أمر المسلمين بيانا لمؤتمر مكافحة الإرهاب، و قد أكد سماحته في بيانه على أنه يجب أن نحدّد تعريفنا عن الإرهاب. فالمواجهة القانونية مع المخالفات لا تسمّى بالإرهاب. فلو تم إعدام أحد في أمريكا أو حكم عليه بعقاب شديد و كان ذلك و فق القوانين، لا نستطيع أن نسمي ذلك إرهابا، لكن إن لم يخضع هذا الأمر لقانون، عند ذلك من حقنا أن نتكلم حول إرهابية هذا العمل أم عدمه. أما المصاديق التي أشرتم إليها في السؤال، فجميعها منضمة في إطار القانون. يعني أن القصاص حق فردي. عندما يعتدى على أحد، يعطى له الحق و لأوليائه أن يعاقبوا المعتدي بمثل ما اعتدى عليهم؛ طبعا كل ذلك فيما إذا كان ذلك الشخص متعمدا في عمله و تتحقق الشروط الأخرى، و يثبت ذلك في محكمة عادلة. عند ذلك يعطون حق القصاص. إن حكم الإسلام في القصاص موجب لالتئام ألم العائلة المصابة الذي قد يؤدي إلى أحقاد و نزاعات دامية. و كذلك قوله: "ولكم في القصاص حياة" من هذا الباب. عندما يتمّ القصاص يبرد غليل الإنسان المصاب، و بالنتيجة تنتهي تلك الحروب الطويلة التي كانت تثار بين الطوائف قبل الإسلام. إذن القصاص يحقق الأمان من جانب، بمعنى أنه رادع لمن أراد الارتكاب بسبب العقوبات المعدّة لذلك، فيرتدع و لا يرتكب. و في الواقع الهدف الأصلي للعقوبات في الإسلام هو الوقاية، و إن ارتكب أحد جريمة يعاقب، و إن هذا العقاب عبرة للآخرين لئلا يرتكبوا مثل هذه الجريمة، كما أنه في نفس الوقت موجب لارتياح الأسرة المصابة و مجموع هذه الإجراءات تؤدي إلى تحقيق الأمن الاجتماعي في المجتمع.

و أما حكم الارتداد ففي الواقع من أجل تحقيق الأمن العقدي في المجتمع. طبعا هناك أبحاث مختلفة مطروحة بين العلماء في هذا الموضوع، و لكن ما يستنبط من الروايات هو أنه صحيح أن الناس أحرار في عقائدهم؛ و لكن إذا أراد أحد أن يغيّر عقيدته و يظهر ذلك علنا، ففي الواقع هذا الإنسان يهدّد الأمن العقدي في المجتمع، و لهذا السبب يقابل بشدة. و إن هذا الموقف موقف قانوني في إطار القانون. طبعا لا يخفى أن إثبات ارتداد الإنسان مع الشروط الصعبة الثابتة في المحكمة الإسلامية أمر عسير جدا، و لا يمكن تنفيذ هذه الأحكام بسهولة.

أما بالنسبة إلى الجهاد فلابد أن أقول بأن هناك مغالطة حدثت تجاه مفهوم الجهاد الإسلامي و الحرب المقدسة بمفهومها في تاريخ المسيحية. إن تاريخ المسيحية ـ بغض النظر عن الدين الحقيقي الذي جاء به المسيح (ع) ـ مليء بالحروب الدامية التي معظمها جرت بين المسيحيين أنفسهم. إن مختلف المذاهب المسيحية و على مرّ القرون المتمادية قد سفكت دماء ملايين الناس من أنفسهم، خاصة تلك الحروب التي جرت في مختلف مقاطع أوروبا بين الكاثوليك و البروتستانت ما أسفرت عن مقتل الملايين. إن مضمون هذه الحروب المقدسة هو إكراه الطرف المقابل على قبول مذهب ما، يعني في الواقع كان الكاثوليك يحاربون البروتستانت من أجل إرغامهم على قبول مذهب الكاثوليك. و في المقابل كان البروتستانت يحاربون الكاثوليك ليجبروهم على قبول البروتستانت. و في هذا المجال أتذكر قضية لا أنساها حدثت في مؤتمر عقد في لبنان مع الأرمن، حيث رأيت رجلين متخصصين من الأرمن أحدهما من إيران و الآخر من سورية كانا يؤكدان على هذه الحقيقة و قالا: في بعض مقاطع التاريخ خضع قوم الأرمن تحت سلطة الكاثوليك، كما هناك مقاطع خضع فيها تحت سلطة المسلمين. ثم قالا في مقاطع سلطة المسلمين على الأرمن، كانت لديهم الحرية في ممارسة مناسكهم و عقائدهم كما كان لديهم المراكز الدينية، و بشكل عام لم يلاقوا أية مشكلة. بينما في المقاطع التي حكمتهم بعض الفرق المسيحية الأخرى، قاموا بقتلهم و هدموا مراكزهم الدينية و أجبروهم على ترك مذهبهم و الدخول في المذهب الحاكم.

لم يكن في الثقافة الإسلامية هذا السلوك الذي بموجبه تفرض عقيدة رأيها على الطرف الآخر، و لا زال الأمر كذلك. و لكن في زمن الرسول الأعظم (ص) كانت هناك حروب مفروضة و دفاعية. ثم حدثت بعد النبي الأعظم (ص) بعض الحروب التي كانت من أجل توسعة نطاق الحكومة الإسلامية، و قد خالفها بعض الشخصيات مثل أمير المؤمنين (ع) حيث لم يكن موافقا على هذا الأسلوب و لكن على أي حال حدثت في التاريخ. فعلى سبيل المثال عندما كان المسلمون يخوضون حربا مع غير المسلمين و كانوا أولئك يقاومون إلى آخر لحظة و بعد ذلك يتغلب المسلمون عليهم، في هذه الظروف و على أساس القواعد الإسلامية و باعتبار أن الخصم قاوم إلى آخر لحظة و قتل المسلمين و جرح بعضهم، كانت هناك عدة خيارات أمام المسلمين؛ إما أن يقتلوهم جميعا و يقضوا عليهم، و عادة ما لم يختار هذا الخيار. الطريق الثاني هو أن يأخذوهم عبيدا و إماء و يغيروا شخصيتهم. و الطريق الثالث هو أن يعقدوا معهم عقدا ليصبحوا في ذمة المسلمين، و قد اصطلح على هذا العقد في الفقه بالذمة. أما الخيار المفضّل الذي كان يوصّى به في الحروب حتى في عهد الخلفاء هو الخيار الثالث و عقد الذمة مع غير المسلمين إن كانوا على استعداد من ذلك. و لم يكن إصرار على تغيير الدين أو القتل أو الاستعباد. طبعا ظاهرة الرقية كانت موجودة قبل الإسلام و جاء الإسلام و قلّص أسباب الرق بجدّ و جعلها محدودة في الحروب الجهادية و بشروط محددة، و ثانيا وفّر عوامل عديدة لإيجاد أرضية عتقهم. في حين أن في تاريخ المسيحية المتأخر، ظاهرة الرقّ رائجة بكثرة. مثلا عندما استطاع كريستف كلمب عن طريق البحر أن يدخل أفريقيا، استعبدوا ملايين الأفارقة و أخذوهم إلى أوروبا و بعد ذلك إلى أمريكا و لازال الأمريكان يمارسون هذا العمل. يعني أن ظاهرة الرقّ كانت موجودة في الثقافة الغربية بعد قرون من ظهور الإسلام و للأسف لازالت موجودة. كان يقول بعض أصدقائي الأمريكان: "ما يقال من أن ظاهرة الرقيّة قد انتهت في عالم اليوم، غير صحيح؛ إذ لا تزال الرقيّة في بعض إيالات أمريكا عملا قانونيا." السيد لغنهاوزن، العالم الأمريكي الذي يعيش في قم الآن، قال لي قبل 15 سنة في حوار معه: "لا زالت الرقية أمرا شرعيا في بعض إيالات أمريكا؛ و لم تزل في أمريكا بشكل كامل!" أنا أريد أن أقول أن تاريخ الإسلام حتى تجاه العبيد يشهد بتعامل منطقي ليّن لطيف مصحوب بالرحمة و المصلحة؛ حيث أراد الإسلام أن يهدي هؤلاء العبيد إلى الطريق الصحيح و يوفر أرضية عتقهم. على أيّ حال إن هذه الأبحاث المطروحة حول الأحكام الإسلامية من قبيل حكم الارتداد و القصاص و الجهاد و ما يسمونه بالإرهاب كلها ناشئة من التفسير الخاطئ الذي يعطى لهذه الأحكام و مفهوم الإرهاب. طبعا الجهاد أمر مهم جدا، إذ كما قال النبي (ص) يشمل الجهاد الأصغر و هو الجهاد الخارجي، و كذلك يشمل الجهاد الأكبر بمعنى الجهاد الباطني و جهاد النفس. من هنا يتضح أن الجهاد بمعنى النزاع بين الخير و الشر، و الحرب بين القيم و المثل و ما يقابل القيم و المثل. و تارة تقع هذه الحرب في الخارج و بشكل طبيعي و تارة تقع في الداخل و الروح. طبعا لابد أن أؤكد هنا على هذه الحقيقة و هي أن هذا الأسلوب في تعامل الغرب مع الإسلام ليس بأمر جديد في الثقافة الغربية؛ إذ لو راجعتم أدبيات القرون الوسطى تجاه الإسلام تجدون أن في ذلك الوقت أيضا كانوا يعرّفون الإسلام بدين السيف، مع أن دراسة حقائق تاريخ الحضارة الإسلامية و  دراسة الحقائق التاريخية في المسيحية تبيّن أن الدين الذي يصدق عليه عنوان دين السيف هو المسيحية التاريخية ـ طبعا لا مسيحية النبي عيسى عليه السلام بل المسيحية التي لها وجود في التاريخ ـ فكثيرا ما نصّروا الناس و أرغموهم على قبول مذهب الكاثوليك أو البروتستانت بقوة السيف. فقد قتلوا عديدا من الناس بسبب إبائهم عن التنصّر، بيد أن الإسلام لم يتعامل بهذا الشكل. طالعوا كتاب تاريخ الخضارات لويل دورانت و انظروا رؤية المؤلف تجاه تاريخ الإسلام و تاريخ المسيحية مع أنه لم يملك رؤية إيجابية تجاه الإسلام.

هل هناك مبرر لتلك العصابات التي تحسب نفسها على الإسلام أو أي دين آخر و تمارس الإرهاب كالقاعدة مثلا؟

هناك قضية طرحت في مؤتمر مكافحة الإرهاب، و هي أننا لو راجعنا إلى مفاهيم و مضامين الأديان نجد أنه لا يرضى دين بالإرهاب و كل الأديان الإبراهيمية متفقة في ذلك. أما عندما ننظر إلى أتباع الأديان نجد أن دائما بعض أتباع الأديان يستخدمون الدين كآلة في سبيل مطامعهم السياسية. لقد قام بعض الأفراد تحت عنوان منظمة القاعدة ببعض الأعمال، و إن نظرنا إلى سلوكهم نجد أن هذه الأعمال غير أنها لا تنسجم مع الإسلام، بل تضرّ به أكثر من أن تنفعه. فعلى سبيل المثال لو فرضنا أن عملية 11 سبتمبر كانت منفذة من قبل القاعدة و لم يقم بها الأمريكان نفسهم، لابد أن نرى هل استطاعت القاعدة أن تربح بهذه العملية؟ و كم استطاع الأمريكان أن ينتهزوا هذه الحادثة لمطامعهم؟ طبعا الوثائق و الشواهد الموجودة كلها تدل على أن هذه الحادثة قد تمت بخطة الأجهزة الأمنية الأمريكية و من أجل أهداف و أغراض خاصة. و أنا قد أتيت قبل سنوات بسند من بريطانيا إلى إيران يحتوي على وثائق كثيرة في قضية 11 سبتمبر و قد أعدّه الغربيون نفسهم. على أي حال بغض النظر عن هذه الوثائق، لابد أن نرى كم استفادت القاعدة من هذه العملية؟ و كم استفاد الأمريكان؟ لقد احتلّ الأمريكان أفغانستان و العراق بذريعة واقعة 11 سبتمبر. طبعا ما كانوا يتصورون أن العراق و أفغانستان كيف يتحولان إلى مستنقع و مأزق و هم الآن متورطون به. كانوا يحسبون أنهم سيسيطرون على أفغانستان و العراق في مدة قصيرة، ثم يسيطرون على إيران و بعد ذلك على كل الشرق الأوسط، و شيئا فشيئا يحلّون كل المشاكل و العقبات التي تواجه إسرائيل و أمريكا في هذه المنطقة. لم يتصوروا أبدا أن مصيرهم في أفغانستان سينجرّ إلى هذه الأزمة أو سيضطرون إلى مغادرة العراق بعد شهر يعني في كانون الثاني 2012. لم يكن هذا بحسبانهم في بداية الأمر بل كانوا يتوقعون أن هناك انتصارات و أرباح كبرى في انتظارهم.

و كذلك في الإعلام شنّوا بعد قضية 11 سبتمبر حربا قاسية ضد المسلمين. طبعا لابد أن نعلم بأنهم (مَکَرُوا و  مَکَرَ اللهُ و  الله خَیرُ المَاکِرِینَ) فكانت النتيجة هي أن الأمريكان قد عجزت في أفغانستان و العراق و من جانب آخر مصاريف حرب العراق و أفغانستان أنتجت أزمة اقتصادية واسعة في أمريكا. أحد أصدقائي من نيويورك الذي كان قد جاء من أمريكا توّا قال: في بعض إيالات أمريكا مثل فلوريدا تصل نسبة الأشخاص الذين فقدوا شغلهم و على أثر ذلك فقدوا بيتهم أيضا إلى 50% من نفوس الناس؛ و في بعض الإيالات مثل نيويورك التي يقال أن حال الناس فيها جيد، أيضا 30% من الناس فقدوا شغلهم. إن هذه الأزمات من آثار حرب أفغانستان و العراق. و على مستوى الإعلام فبالرغم من هجماتهم الإعلامية الواسعة ضدّ المسلمين، و لكن النتيجة الحاصلة هي إقبال الكثير على الإسلام بعد حادثة 11 سبتمبر. إن وزير الثقافة و الإرشاد الحين قال لي بعد حادثة 11 سبتمبر: "كان لدينا مخزن الكتب الإسلامية التي أنتجت في بداية الثورة، حيث قد أعدّت و طبعت بشكل مسرع و بترجمة ضعيفة و طباعة رديئة. كانت هذه الكتب في المخزن منذ عشرين سنة و أصبحت معظلة لنا في بريطانيا، حتى قررنا أن نبدل الكتب إلى عجين. و لكن حادثة 11 سبتمبر قد غيرت الأوضاع حيث أخبرت ممثليتنا الثقافية في بريطانيا أن كل هذه الكتب المخزونة قد بيعت و نرجو إرسال مزيد من الكتب من إيران إلى بريطانيا." ما أريد أن أقوله هو أن الأمريكان كانوا يحاولون انتهاز حادثة 11 سبتمبر بشدة. بودّي أن أؤكد هنا أن حادثة 11 سبتمبر و أمثالها لا هي منسجمة مع المفاهيم الإسلامية و لا منسجمة مع مصالح المسلمين؛ و لهذا نحن نعتقد أن بعض العصابات مثل القاعدة في الواقع صنيعة أعداء الإسلام ليهيئوا الشفرة الثانية للمقص. لأن من جانب لابد لهم أن يؤكدوا على أن المسلمين إرهابيون خشنون؛ و من جانب آخر يجب أن يصنعوا نماذج من هذا العنف. فهم يكوّنون طرفي المؤامرة. فيحاول الأمريكان أن يجابهوا الإسلام و يروجوا في الغرب حالة الخوف من الإسلام عموما و الخوف من التشيع خصوصا عن طريق الدعايات ضدّ المسلمين من جانب و الدعم الخفي للمسلمين المتطرفين في عقائدهم من جانب آخر. طبعا اليوم قد تزلزل كيان الخوف من الإسلام في الغرب و لكنه لازال موجودا؛ مثلا إلى قبل كم سنة كانت السلطات تعلن في بريطانيا أنه كانت هناك خطة عملية تفخيخ المطار الفلاني، و بعد ذلك يعتقلون عددا من المسلمين و يعلنون أن هؤلاء قد قصدوا تفخيخ المطار." في حين أنه لم يكن تفخيخ، و إنما أراد الإنجليز أن يثيروا جوّا إعلاميا ضدّ المسلمين. كرروا هذه الطريقة لعدّة مرات و كان لها بعض تأثير في بداية الأمر و لكن بعد فترة تبادر هذا السؤال لدى الشعب البريطاني و باقي الدول أنه لماذا لم يجدوا لهذه الاتهامات و هذه العمليات أي شاهد و سند واضح؟! هل هناك تفخيخ حقا أم لا؟! مع الأسف إن لهذه الأعمال سابقة طويلة في الغرب و لكن كان مردودها عكسيا و أكثر مما أن ينتهي بضرر المسلمين، خرج المسلمون من هذه المؤامرات مرفوعي الرأس بحمد الله و حتى أدت إلى انتشار الثقافة الإسلامية في الغرب.

باعتبارنا نعيش أيام محرم و إن استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في الواقع كان نتيجة مجموعة من الأعمال الإرهابية المنظمة من قبل العدو، و باعتبار أن دائما إلى جانب الممارسات الإرهابية تمارس أعمال أخرى كالحرب الإعلامية و تعتيم الأخبار و الحقائق، و نشر الإشاعات و الإغواء كما نجد كل هذه الممارسات في واقعة كربلاء، ما هي العوامل التي جعلتنا نعي اليوم حقيقة واقعة كربلاء على رغم جميع تلك الممارسات و المحاولات المبرمجة؟

هناك عاملان كانا و لازالا منشأ بقاء قضية كربلاء؛ أحدهما هو نوع هذه الواقعة و أسلوب إدارة الإمام الحسين (عليه السلام) لهذه المعركة. و بعده جاءت العقيلة زينب (سلام الله عليها) و الإمام السجاد (عليه السلام) و أداروا كل العوامل التي بيدهم من أجل حفظ و تخليد رسالة كربلاء. العامل الآخر التي سبب بقاء قضية كربلاء، هو جوهر هذه الواقعة و مظلومية الإمام الحسين (عليه السلام) أمام الأعداء و كذلك شدة الظلم التي مارسه العدوّ على الإمام. و بالمناسبة هذا العامل سبّب أن نفس هؤلاء الذين حاربوا الحسين (عليه السلام) طمعا بالدنيا و حرصا بالمال و الجاه أو بسبب انخداعهم بالإعلام أو الضغوط الأمنية و السياسة و خوفا على أرواحهم و أموالهم، نفس هؤلاء أصبحوا رسلا لقضية كربلاء. حيث إن معظم الأخبار التي بين أيدينا الآن عن حادثة كربلاء، قد نقلت عن طريق أعداء الإمام الحسين (عليه السلام). كذلك بعض المنضمين في الحركات التي نهضت بعد الإمام الحسين (عليه السلام) كانوا حاضرين في كربلاء ضدّ الإمام الحسين (عليه السلام). و لكن هناك قضية كانت في حركة الإمام الحسين (عليه السلام) اتضحت لدينا اليوم و بعد قرون بشكل جادّ، خاصة في هذا العام الأخير الذي أظهر أبعاد هذه القضية على مستوى العالم؛ و هي أن الأمام الحسين (عليه السلام) قد خرج ضدّ الظلم و العدوان و ضدّ الأعمال المخالفة للقيم و التي تمارس باسم الإسلام و باسم القيم و تفرض على الناس. كما قال عليه السلام: "اِنّی لَم اَخرُج اَشِراً و  لَا بَطراً و  لَا فَاسِداً و  لَا ظَالِماَ اِنَّمَا خَرَجتُ لِطَلَبِ الاِصلَاحِ فِی اُمَّةِ جَدِّی أريد اَن آمُرَ بِالمَعرُوفِ و  اَنهَی عَن المُنکَر" إن رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) للعالم الإسلامي بل إلى البشرية كافة، هو ضرورة مقاومة الظلم و القبائح التي تفرض على الناس باسم العدل و الجمال. إن الثقافة التي أوجدها الإمام الحسين (عليه السلام) هي ثقافة بقيت زاهرة في منظومة ثقافة أهل البيت (عليهم السلام). إن رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) في الواقع خلدت رسالة النبي (صلى الله عليه و آله) حيث قال: "حسين مني و أنا من حسين" فإذا كان الإمام الحسين في وجوده الطبيعي و المعنوي من النبي (صلى الله عليه و آله)، إذ كلهم نور و احد، إذن رسالة النبي الأعظم قد خلدت على يد نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) و لهذا نحن نعيش اليوم ظاهرة ذات معنى كبير لنا. من بين كل المذاهب الإسلامية، المذهب الوحيد الذي رفع شعار مواجهة الظلم كشعار ديني و شعار قيمي هو المذهب الشيعي. بينما كانت المذاهب الأخرى تطرح المسالمة مع الظالمين كأمر ديني؛ حتى في الحركات الأخيرة التي نشهدها اليوم في العالم الإسلامي، هناك الكثير من علماء المذاهب التقليديين و حتى بعض الناس التقليديين المتأثرين بهؤلاء العلماء يعتبرون هذه الحركات غير شرعية.

إن تحليلهم الديني هو أن إذا كان هناك حاكم ظالم فلا يحق للناس أن ينهضوا ضدّه، بل يجب عليهم الصبر و إن الله سيؤجرهم على صبرهم و إن هذا الظالم يمارس ظلمه و سوف يعاقب في الآخرة. يعني ليست هناك أية حركة في هذه الثقافة، و ما يجري الآن في العالم الإسلامي إنما ظهور الفكر الشيعي و فكر أهل البيت عليهم السلام في الساحة السياسية. أتذكر أن قبل ست سنين و في أيام ذكرى ارتحال الإمام الخميني (ره) سافرت إلى تونس و كانت السفرة في عهد حكومة بن علي، الديكتاتور السابق لهذا البلد؛ فكان يسود المجتمع التونسي جو أمني ضيق و أجواء مختنقة عجيبة. عندما أريد أن ألقي محاضرة بين العلماء و المفكرين و الكتاب و الأساتذة الجامعيين في تونس، قالوا لي: "لا تتحدث حول الثورة الإسلامية و الإمام الخميني (ره)، إذ لو تطرقت لهذه المواضيع تهجم القوات الأمنية و تعتقل الجميع." قلت لهم: "إذن حول ماذا أتكلم!" قالوا" "تكلم عن الحوزة العلمية بقم و أسلوب دراسة الطلاب و نشاطاتهم." فتكلمت عن الحوزة العلمية بقم. بعد المحاضرة طرح بعض الأساتذة أسئلة. عندما سأل أحد عن الشخصية العرفانية للإمام (ره) لا السياسية، فزع الحاضرون جميعا. يعني ارتعبوا بمجرد أن ذكر اسم الإمام. بعد الجلسة التي طالت حوالي ثلاث ساعات، قال لي مسؤولو الجلسة، أنه كان ممكنا في أية لحظة بعد ذكر اسم الإمام أن تهجم القوات الأمنية و تعتقل الجميع. لقد أبدوا سرورهم البالغ من عدم حدوث هذا الأمر و لكن كانوا يقولون باحتمال كبير سيعتقل السائل، و اعتقل بالفعل. بعد يوم من تلك الجلسة، تم اعتقال السائل الذي كان من أساتذة جامعات تونس.

عندما تمت الجلسة في تلك الأجواء المختنقة جاءني أحد الأساتذة و قال: "لعلنا لسنا شيعة في العقائد و لكننا شيعة من حيث السياسة." و قصده من كونهم شيعة في السياسة هو هذا الحدث الذي جرى في تونس في العام الماضي. يعني بعد خمس سنين من تلك الجلسة التي حضرتها مع الأساتذة الجامعيين في تونس، اجتمع الناس و نهضوا ضد ظلم حاكمهم. و أصبح قيام الشعب التونسي منطلق الحركات الأخرى في باقي البلدان الإسلامية التي نشاهدها اليوم. نرى اليوم كم قد أخذت الانتفاضة المصرية طابعا إسلاميا و هذا يشير إلى أن انتفاضة الشعب المصري، بخلاف ما يدعيه الغرب ليست انتفاضة ليبرالية بل هي نهضة مرتكزة على أساس القيم الإسلامية. إن معارف ثقافة أهل البيت (عليهم السلام) يعني معارف ثقافة عاشوراء و الإمام الحسين (عليه السلام) نقطة زاهرة في تاريخ البشر. و إن هذه النقطة الزاهرة تتحرك اليوم أوسع من نطاق الإسلام. إن الحركات التي نهضت اليوم في البلدان الأوروبية و أمريكا، و إن كانت بحسب الظاهر حركات ضد الظلم و قضايا الناس المعيشية، و لكن عندما ننظر إلى بعض المفردات و الظواهر في هذه الحركات، نجد أن المضامين و القيم الثابتة في ثقافة الإمام الحسين (عليه السلام) مطروحة هنا أيضا. قبل حوالي عشرين يوما استملت رسالة من رجل فرنسي لم أعرفه إطلاقا، و لا أدري كيف تعرف عليّ. و هو في الواقع قد أرسل رسالته بصفته عضوا و ممثلا لحزب جديد في فرنسا باسم "حزب تضامن فرنسا" و عرف حزبه في الرسالة، و أعطى بعض المعلومات عن نشاطات الحزب و تحركاته و عدد حماته و بعض القيم و الأهداف التي يحملها الحزب. إنه رجل غير مسلم و حزبه حزب فرنسي غير مسلم كاملا؛ و لكن القيم التي طرحها في رسالته، هي نفس القيم التي من أجلها ننتقد نحن المسلمون الغرب. يعني نفس الإشكالات التي نطرحها كمسلمين و أتباع مدرسة عاشوراء و أهل البيت (عليهم السلام) تجاه الوضع الأخلاقي و الأوساط السياسية الحاكمة على الغرب، و كان هذا الرجل الفرنسي يحمل نفس الإشكالات على الغرب. إن هذا الرجل الآن من جملة الأشخاص الذين يقودون الحركات الغربية اليوم. يعني حتى هؤلاء متأثرون بشكل مباشر أو غير مباشر بثقافة أهل البيت (عليهم السلام) و ثقافة عاشوراء.

و لكن المسلمين قد تأثروا تأثيرا أشدّ؛ طبعا قد إذا تسألون أحدهم عن ثقافة عاشوراء، تجدونه حتى لا يعرف التشيع و الإمام الحسين (عليه السلام) و قد يحمل فكرة سلبية عن التشيع، و لكن ما يقوم به في الواقع إنما هو تأس بمنهج أهل البيت (عليهم السلام). على سبيل المثال في انتفاضة ليبيا لو سألتم أحد الليبيين عن اقتدائهم في ثورتهم بنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) قد لا يظهر أي حب و ولاء تجاه التشيع و لعله لم يسمع به أصلا. و لكن المشاهد التي رأيتموها، و خاصة بالنسبة لي حيث رأيت مشاهد الثورة الإسلامية بأم عيني، و جدت أن هذه المشاهد كأنما تكرار نفس مشاهد الثورة الإسلامية الإيرانية في أجواء ليبيا و لا شك في أن الثورة الإسلامية في إيران كانت امتدادا لكربلاء. إن تلك الراية التي رفعها الإمام الحسين عليه السلام في سنة 60، رفعت بعد أكثر من 1300 سنة، بيد الإمام الخميني (ره). يتذكر أقراني في العمر أن في أجواء الثورة عندما دخلنا في محرم و يوم عاشوراء و صدر الإمام بيانا تحت عنوان "انتصار الدم على السيف" أخذت النهضة منحى آخر في إيران و دخلت في مرحلة أخرى و حدث تحول عظيم بين مختلف شرائح الشعب. كل ذلك كان ببركة الإمام الحسين (عليه السلام). حتى بعض الشرائح التي لم تكن متدينة تماما، انجذبوا إلى نهضة الإمام الخميني (ره) بسبب عشقهم للإمام الحسين (عليه السلام). إذ كان لهم تعلق بثقافة الإمام الحسين (عليه السلام) و لو و راثة، و بعد ذلك جاء نفس هؤلاء و صنعوا تلك الملاحم الرائعة في أيام الثورة و في أيام الحرب المفروضة. إذا نظرنا إلى سوابق كثير من شهداء الثورة و الحرب المفروضة نجد أن كثيرا من هؤلاء لم يكونوا شخصيات دينية. و لكن المهم هو التحول الذي حدث ببركة قيم الإمام الحسين (عليه السلام) و قيادة الإمام الخميني (ره) في المجتمع الإيراني.

في عام 2000 الذي طرد فيه الإسرائيليون من جنوب لبنان، حدث انتصار كبير للمسلمين و المقاومة الإسلامية، و أصبحت منطلق الانتصارات الأخرى بعد سنين. في أيام شهر رمضان المبارك، حيث كنت في مكة، شاهدت أحد برامج الجزيرة الذي كان يعادي الشيعة عادة، يقول: "عندما يصبح الإمام الحسين قدوة المجاهدين و قيم عاشوراء تصبح هدى للمجاهدين، عند ذلك ينتهي الاحتلال البالغ عشرين سنة." يعني حتى هؤلاء كانوا قد و صلوا إلى هذه النتيجة من أن ما أعطى حزب الله و المقاومة الإسلامية في لبنان طاقة الجهاد، هو الإمام الحسين (عليه السلام). و ببركة الإمام الحسين (عليه السلام) و ببركة عاشوراء استطاعوا أن ينهوا الاحتلال بعد عشرين سنة. كان انتصار حزب الله في عام 2000 انتصارا كبيرا و يعتبر أول انتصار بعد سنين من المقاومة أمام إسرائيل الغاصبة و بعد كل الصدمات التي تلقتها من إسرائيل. كل ذلك كان ببركة الإمام الحسين (عليه السلام).

ولكن مع هذا و كما أشرتم في سؤالكم، إن الإمام الحسين (عليه السلام) قتيل عملية إرهابية. يعني تعامل الأعداء مع الإمام الحسين (عليه السلام) و بعد ذلك مع أسرته و عائلته، كان نموذجا كاملا من عنف لا يوصف و نموذجا كاملا من الإرهاب و الإرعاب. كان من أهداف الأعداء أن يرعبوا المجتمع الإسلامي لأن لا يجرأ أحد على اتخاذ موقف مشابه. لأنهم كانوا بصدد تفهيم هذا المعنى للمجتمع الإسلامي في ذلك الوقت الذي لم يكن جاهلا بشأن الإمام الحسين (عليه السلام) أنه كما واجهنا شخصية مثل الإمام الحسين (عليه السلام) ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله) الذي و ردت روايات كثيرة عن النبي (صلى الله عليه و آله) في شأنه و فضائله، و اتخذنا منه موقفا قاسيا شديدا، كذلك نفعل بكل من أراد أن يقاوم الحكومة. و لكنهم لم يتصوروا أن محاربة الإمام الحسين (عليه السلام) سوف يؤدي إلى انتفاضة كل العالم الإسلامي. إن سلسلة النهضات التي حدثت بعد قيام الإمام الحسين (عليه السلام) من قيام التوابين و قيام المختار و النهضات الأخرى كقيام النفس الزكية كلها ملهمة من قضية عاشوراء و الإمام الحسين (عليه السلام). و إلى الآن نجد أن كل يوم عاشوراء و كل أرض كربلاء و إن كانت هذه الجملة لم ترد من إمام معصوم، و لكنها تحكي عن حقيقة مستمرة في التاريخ. و إنها جارية الآن في مصر و اليمن و حتى في حركات و ال استريت بشكل من الأشكال. قد لا يعرفون الحقيقة بشكل مباشر و لكن عندما نفتش عن الجذور نجد أن ثقافة مقاومة الظلم و الطغيان جاءت من ثقافة نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى هذه المناطق و بدأت تتبلور بمختلف أشكالها في الجوامع البشرية.

برأيكم كيف نستطيع أن نستثمر الإمكانات و القابليات الكامنة في محرم و صفر و ثقافة عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل دفع الشبهات التي تنسب الإرهاب للإسلام و التشيع؟

من أهمّ الأعمال التي يجب أن نؤديها بشكل خاص في أيام محرم و صفر، هي المسؤولية الموجهة لكل أوساطنا الثقافية و التبليغية، سواء مبلغينا في كافة العالم و داخل البلاد أو مؤسساتنا الثقافية، و هي أن نبين الثقافة الحسينية بشكل صحيح للناس و أن نجتنب الأعمال الخرافية التي أدخلت مع الأسف على مرّ القرون و الأعصار في الإسلام و جابهها العلماء و المفكرون على مرّ التاريخ. بدلا من الاهتمام ببعض الأنصاب التي من نماذج الانحراف أحيانا و مدعاة لابتعادنا عن متن ثقافة عاشوراء، لابد أن نتجه إلى الفهم الدقيق لقضية عاشوراء و أن نعرف ثقافة نهضة عاشوراء لجيل الشباب، خاصة اليوم و في ظل هذه الإمكانات و الأدوات المتوفرة أصبح هدف هجمات الأفكار و الآراء المتنوعة. بطبيعة الحال إن بعض الأبواق الإعلامية بيد الأعداء، و هي و إن لم تكن كثيرة و لكن بسبب الأموال التي بيدهم يحظون بصوت عال نسبة إلى باقي وسائل الإعلام و تصل هذه الأصوات بطبيعة الحال إلى أسماع شبابنا. فعلينا في هذه الأجواء أن نعرف عاشوراء و مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام) و قيم هذه المدرسة بشكل صحيح، و نسعى عن طريق إعادة دراسة تاريخ عاشوراء أن نجيب عن هذه الشبهات التي تلقيها هذه الأبواق في أذهان الناس و خاصة جيل الشباب. إن الشاب بطبيعته يحظى بذهن باحث و سائل. و قد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) في رسالته إلى الإمام الحسن (عليه السلام) إلى خصوصية السؤال و البحث لدى الشباب. و قد قمت بدراسة هذه الرسالة في كتاب "مع الشباب إلى السماء" و أكدت على هذه النقطة و هي أن الشاب يحمل ميزة السؤال و البحث حقا. لم ينكر أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه الخصوصية و يسعى لهدايتها. إن مجموعة مؤسساتنا الثقافية و الإعلامية، من الإذاعة و التلفزيون مع ما تملك من كم هائل من المخاطبين، و التي تحمل مسؤولية ثقيلة في هذا المجال، إلى غيرها من الوسائل الإعلامية الأصغر و الأضيق نطاقا، و إعلامنا المتخصص و كذلك المبلغين و أهل المنبر و حتى المداحين عليهم أن يهتموا بهذا الشابّ الباحث و السائل. كما يجب أن يجب أن تعرف الأوساط الثقافية أن قضية عاشوراء ليست مجرد آداب و طقوس و حسب. صحيح أن كل هذه المراسم و الآداب أنشئت من أجل حفظ ثقافة عاشوراء، و لكن يجب أن يعاد استعراض هذه الثقافة و تدرس من جديد. لا ينبغي أن نثير مشاعر الناس و حسب، طبعا لا تنفك عاشوراء عن المشاعر و الأحاسيس و إن هذه المشاعر و العواطف تمثل الأرضية و القاعدة للتحول، و لكن يجب أن تنضم معها البصيرة و المعرفة. إذن لابد للمداحين أن يلتفتوا و كما قال و لي أمر المسلمين قبل سنوات مرارا، يجب تتبلور و تتجسد ثقافة عاشوراء في برنامج النعي و اللطم الذي يقوم به المداحون في قالب الشعر و الفن، و هذا ما يجب أن يحقق بمختلف الأشكال البصرية و التحليلية. إذا تم تحليل ثقافة عاشوراء عند ذلك نفهم كنز عاشوراء و سوف نرى أن هذا الكنز لم ينفع الشيعة و حسب، بل هو مفيد للعالم الإسلامي بأجمعه بل للبشرية كافة. إنه دليل يستطيع الناس جميعا أن يستفيدون منه. إذا نظرنا إلى قضية عاشوراء نجد في مقابل الإمام الحسين (عليه السلام) غاية الظلم و ذروة العنف و قمة التسافل و في جانب معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) و في سلوكه و سلوك أسرته و أصحابه نجد غاية القيم البشرية من الإيثار و العواطف و المشاعر و الرحمة. منذ المواجهة الأولى عندما يصل الأعداء و كان الإمام الحسين (عليه السلام) يحمل ماء، أول ما يوصي به أصحابه هو أن اسقوهم و اسقوا حيواناتهم، في حين أن الماء في تلك الأجواء الحارة و الأرض اليابسة شيء ثمين. إن رأفة الإمام الحسين و رحمته تجلت على أعتاب بدء حرب دامية على الإمام (عليه السلام)، و هو يعرف ذلك جيدا. مع هذا كله هكذا يتعامل الإمام الحسين (عليه السلام) بكل رأفة حيث مهّد بهذا السلوك تحول شخصية مثل حرّ. نحن نرى موقف الإمام الحسين (عليه السلام) في هذا المعسكر، و في الجانب الآخر في أحداث يوم عاشوراء و الأيام الثلاث السابقة، نرى كيف سدوا الماء على آل الرسول و حتى لم يرحموا الأطفال الصغار و الرضّع. أنظروا أن كربلاء تجسد صورة تجلت فيها كل أنواع التسافل و الانحطاط في جانب أعداء الإمام الحسين (عليه السلام) و  تجلت في معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) كل القيم الإسلامية الشيعية و الدينية و حتى القيم البشرية. و إن هذه القيم تؤثر في قلب كل إنسان عطوف ذي فطرة سليمة. و لهذا تجدون أن البعض في الغرب و هوليود حاولوا أن يؤثروا في عواطف و مشاعر المشاهد و يترجموا قضية الحسين (عليه السلام) و يخلقوا شخصيات مشابهة بديلة ليتمكنوا من إيجاد نفس التأثير الذي صنعه الإمام الحسين (عليه السلام) في التاريخ و هو باق و خالد في تاريخ يهدي الناس إن شاء الله.

بالرغم من الإعلام الذي كان ناشطا في واقعة عاشوراء، ما هي المييزات التي كان يحظى بها النساء و الرجال من أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) الذين نصروه إلى آخر لحظة و كيف نستطيع أن نأخذ دروسا منهم في حياتنا اليوم؟

بناء على المواصفات التي كان يمتاز بها معاوية و أسلوب استخدامه للأساليب الإعلامية و الأجواء التي كان صانعها آنذاك، قام الإمام الحسين (عليه السلام) بأمر صعب فهمه على أذهان عامة الناس في ذلك المجتمع. يعني كان الانطباع العام من حركة الإمام الحسين (عليه السلام) في ظل تلك الأجواء الثقافية هي أن هذه الحركة حركة أنانية و قد خرج الإمام (عليه السلام) طلبا للسلطة. و هي امتداد لنزاع تاريخي كان بين قبيلتي بني أمية و بني هاشم. طبعا حاول الإمام الحسين (عليه السلام) بمختلف الأساليب و الخطب و الرسائل و الحركات المختلفة أن يكسر هذا الجوّ، و استطاع في آخر المطاف و بملحمة عاشوراء أن يكسر هذا الجوّ. و لكن فهم الحقيقة في تلك الأجواء و معرفة الحقّ بحاجة إلى بصيرة عالية و كان هذا توفيقا إلهيا خاصا أعطاه الله لبعض الناس. حيث استطاع هؤلاء أن ينالوا هذه البصيرة و يشخصوا الطريق الصحيح و يقفوا مع الإمام الحسين (عليه السلام) و يسجلوا تلك المشاهد الخالدة و القيمة في التاريخ. و في الواقع العامل الذي أنجاهم  ـ بتوفيق الله طبعا ـ هو البصيرة التي نالوها في ظل الله سبحانه. و هي التي جعلتهم يرون الحق واضحا في تلك الظروف العصيبة المظلمة. استطاعوا أن يعرفوا الإمام جيدا بحيث عندما قال لهم في تلك الليلة بأنهم يريدون قتلي و أنتم في حلّ من بيعتي و اتخذوا الليل جملا، قاموا و قالوا: لو قتلنا بين يديك مئة مرة لن نتركك إن حيينا مرة أخرى و نحن على استعداد من الشهادة. إن توفّر تلك البصيرة الرائعة في تلك الأجواء كان بتوفيق خاص من الله. إن ذلك الوصف الذي و صفهم به الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن مبالغ فيه، إذ أن أهل البيت (عليهم السلام) ليسوا أهل المبالغة. إن ذلك الوصف يحكي عن مقامهم و منزلتهم حقا. هنا أقول جملة، و هي عندما انتصرت الثورة الإسلامية في إيران، قال الإمام (ره): "إن الشعب الذي شاهدناه اليوم أعظم مقاما من بعض أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) و أكثر بصيرة منهم لأنهم استطاعوا أن يعرفوا الحق في ظروف صعبة و يستقيموا عليه" يعني إن طريق الإمام الحسين (عليه السلام) مفتوح إلى اليوم، و السائرون على درب الحسين (عليه السلام) موجودون اليوم أيضا. و هم الذين استطاعوا أن يحافظوا عن القيم الإسلامية و مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) و إن شاء الله سوف يوطئون لظهور صاحب العصر و الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) و إن شاء الله يكونون من أنصار و أصحاب الإمام (عليه السلام) و يمهدون لتأسيس حكومة قسط الإسلام العالمية بين يدي الإمام إن شاء الله. وفقكم الله.[1]

مکتب آية الله الهادوي الطهراني

 


[1]. مقتبس من مجلة گنجینه التابعة للمجمع، السنة الخامسة، أعداد 57 ـ 58، آذر و دي 1390.